الشوكاني
317
نيل الأوطار
حقيقة في غير عصير العنب أو مجازا ، لأن هذه الأحاديث غاية ما يثبت بها أن المسكر على عمومه يقال له خمر ويحكم بتحريمه ، وهذه حقيقة شرعية لا لغوية . وقد صرح الخطابي بمثل هذا وقال : إن مسمى الخمر كان مجهولا عند المخاطبين حتى بينه الشارع بأنه ما أسكر ، فصار ذلك كلفظ الصلاة والزكاة وغيرهما من الحقائق الشرعية ، وقد عرفت ما سلف عن أهل اللغة من الخلاف . قوله : فجلد بجريدتين نحو أربعين الجريد سعف النخل ، وفي ذلك دليل على مشروعية أن يكون الجلد بالجريد وإليه ذهب بعض الشافعية ، وقد صرح القاضي أبو الطيب ومن تبعه بأنه لا يجوز بالسوط ، وصرح القاضي حسين بتعين السوط واحتج بأنه إجماع الصحابة ، وخالفه النووي في شرح مسلم فقال : أجمعوا على الاكتفاء بالجريد والنعال وأطراف الثياب ثم قال : والأصح جوازه بالسوط . وحكى الحافظ عن بعض المتأخرين أنه يتعين السوط للمتمردين ، وأطراف الثياب والنعال للضعفاء ومن عداهم بحسب ما يليق بهم . وهذه الرواية مصرحة بأن الأربعين كانت بجريدتين . وفي رواية للنسائي : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضربه بالنعال نحوا من أربعين . وفي رواية لأحمد والبيهقي : فأمر نحوا من عشرين رجلا فجلده كل واحد جلدتين بالجريد والنعال . فيجمع بأن جملة الضربات كانت نحو أربعين إلا أن كل جلدة بجريدتين ، وهذا الجمع باعتبار مجرد الضرب بالجريد وهو مبين لما أجمل في الرواية المذكورة في حديث أنس بلفظ : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جلد في الخمر بالجريد والنعال . وكذلك ما في سائر الروايات المجملة ، ولكن الجمع بين الضرب بالجريد والنعال في روايات الباب يدل على أن الضرب بهما غير مقدر بحد ، لأنها إذا كانت الضربات بالجريد مقدرة بذلك المقدار فلم يأت ما يدل على تقدير الضربات بالنعال إلا رواية النسائي المتقدمة فإنها مصرحة أن الضرب كان بالنعال فقط نحوا من أربعين . وورد أيضا الضرب بالأردية كما في رواية السائب بن يزيد المذكورة . وفي حديث علي المذكور في جلد الوليد تصريح بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جلد أربعين ، وهو يخالف ما سيأتي من حديثه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يسن في ذلك سنة ، ويمكن الجمع بأن المراد بالسنة المذكورة في الحديث الآتي هي الطريقة المستمرة ، وفعل الأربعين في مرة واحدة لا يستلزم أن يكون ذلك سنة مع عدم الاستمرار كما في سائر الروايات . وقيل : تحمل